القرطبي
187
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " ( 1 ) [ النساء : 135 ] . وأما ما في السنة فحديث البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم فقال : ( أهكذا حد الزاني عندكم ) فقالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم فقال : ( سألت بالله أهكذا حد الزاني فيكم ) فقال : لا . الحديث ، وقد تقدم . قال النحاس : فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث . فإن قال قائل : ففي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل له : ليس في حديث مالك أيضا أن اللذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو عمر بن عبد البر : لو تدبر من احتج بحديث البراء لم يحتج ، لان في درج الحديث تفسير قوله عز وجل : " إن أتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " [ المائدة : 41 ] يقول : إن أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، دليل على أنهم حكموه . وذلك بين في حديث ابن عمر وغيره . فإن قال قائل : ليس في حديث ابن عمر أن الزانيين حكما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه . قيل له : حد الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته . ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم ، ويقيم حدودهم عليهم ، وهو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله أعلم . قوله تعالى : ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) روى النسائي عن ابن عباس قال كان قريظة والنضير ، وكان النضير أشرف من قريظة ، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودي مائة وسق ( 2 ) من تمر ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا لنقتله ، فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " النفس بالنفس ، ونزلت : " أفحكم الجاهلية يبغون " [ المائدة : 50 ] . قوله تعالى : وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ( 43 )
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 410 . ( 2 ) الوسق : ستون صاعا .